السيد محمد باقر الصدر

76

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

انظروا كيف أنّ السنن التاريخية لا تجري من فوق رأس الإنسان بل تجري من تحت يد الإنسان ، فإنّ اللَّه لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً . إذن هناك مواقف إيجابية للإنسان تمثّل حريته واختياره وتصميمه ، وهذه المواقف تستتبع ضمن علاقات السنن التاريخية ، تستتبع جزاءاتها المناسبة ، تستتبع معلولاتها المناسبة . إذن فاختيار الإنسان له موضعه الرئيسي في التصوّر القرآني لسنن التاريخ ، وسوف أعود إلى هذه النقطة مرة أخرى إن شاء اللَّه تعالى . إذن نستطيع أن نستخلص مما سبق أنّ السنن التاريخية ، أنّ السنن القرآنية للتاريخ ، ذات طابع علمي ؛ لأنّها تتميز بالاطّراد الذي يميّز القانون العلمي ، وذات طابع رباني ؛ لأنّها تمثّل حكمة اللَّه وحسن تدبيره على الساحة التاريخية ، وذات طابع إنساني ؛ لأنّها لا تفصل الإنسان عن دوره الإيجابي ولا تعطّل فيه إرادته وحريته واختياره ، وإنّما تؤكد أكثر فأكثر مسؤوليته على الساحة التاريخية . مجال السنن على الساحة التاريخية : الآن بعد أن استعرضنا الخصائص الثلاث التي تتميز بها السنن التاريخية في القرآن الكريم نواجه هذا السؤال : ما هو ميدان هذه السنن التاريخية ؟ كنا حتى الآن نعبّر ونقول بأنّ هذه السنن تجري على الساحة التاريخية ، لكن هل أن الساحة التاريخية بامتدادها هي ميدان للسنن التاريخية ؟ أو أنّ ميدان السنن التاريخية يمثل جزءاً من الساحة التاريخية ، بمعنى أنّ الميدان الذي يخضع للسنن التاريخية بوصفها قوانين ذات طابع نوعي مختلف عن القوانين الأخرى الفيزيائية والفسلجية والبيولوجية والفلكية ، هذا الميدان الذي يخضع لقوانين ذات طابع نوعي مختلف ، هذا الميدان هل تتسع له الساحة التاريخية ؟ هل يستوعب